مجمع البحوث الاسلامية

133

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إلى ما وقع أو يقع في الحياة الدّنيا عذابا للأمم ، فجاءت الآية ( 9 ) في فتح أبواب السّماء عند الطّوفان حين إغراق قوم نوح ، وليس المراد بها أنّ للسّماء أبوابا تنزل من خلالها الأمطار عند فتحها ، بل هذه استعارة لطيفة أريد بها شدّة الأمطار ، تشبيها بمياه حبست وراء الأبواب ، فإذا فتحت سالت المياه بشدّة . وفي ( 10 ) توبيخ من اللّه للكفّار بأنّهم لو فتحت عليهم أبواب السّماء فعرجوا فيها ، لقالوا : هذا سحر أحاط بنا ، ليس له حقيقة . والمراد بأبواب السّماء فيها تشبيه أيضا ، وهو مجاز . وفي الآية ( 11 ) إنذار للكفّار بفتح باب من العذاب الشّديد عليهم ، وهو مجاز أيضا . وأمّا الآية ( 12 ) فحكاية اختبار وإنذار من اللّه للأمم السّالفة بأنّهم لمّا نسوا ما ذكّروا به من البأساء والضّرّاء ، فتح اللّه عليهم أبواب كلّ شيء ، ووسّع عليهم في العيش ، حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذهم بغتة . ومعلوم أنّ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ بما فيها من الوسعة والشّمول استعارة ، تشبيها لأنواع طرق العيش بأبواب مفتوحة أمامهم ، فهذا مجاز أيضا . والآية ( 13 ) اختبار للكفّار أيضا ، بأنّه لولا أن يريد اللّه أن يكون النّاس سواسيّة لجعل لبيوت الكفّار سقفا من فضّة ، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتّكئون ، أي تكون بيوتهم فخمة كالقصور ، لها أبواب متعدّدة . فالجمع فيها للتّعظيم والتّفخيم ، و « الأبواب » هنا حقيقة وليست مجازا . سادسا : أنّ ما مرّ بنا من الآيات الثّلاث عشرة أريد فيها - من « الباب » و « الأبواب » ، سواء كانت حقيقة أم مجازا - ما يتعلّق بالدّنيا . أمّا باقي الآيات ( 14 ) إلى ( 24 ) فأريد بها ما يتعلّق بالآخرة ، وإليكم التّفصيل : 1 - موضوع الآيتين ( 14 ) و ( 15 ) فتح أبواب السّماء في الآخرة أمام النّاس ، مؤمنهم وكافرهم . فأمّا المؤمنون فتفتح لهم أبواب السّماء ، فتصعد أرواحهم منها إلى الجنّة . وأمّا الكافرون فلا تفتح لهم ولا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط ، وهو تعليق على المحال ، فلا يدخلونها أبدا . وهذا المعنى معلوم في ( 14 ) . وأمّا الآية ( 15 ) فيحتمل أن يراد بها ما ذكر ، أو ما ذكره الطّبرسيّ في مجمع البيان ( 10 : 273 ) : « فتحت السّماء ، أي شقّت لنزول الملائكة ، فكانت ذات أبواب » . ونحن لا ندري ما المراد ب ( السّماء ) في الآيتين ، أهي السّماء المحسوسة لنا ؟ وهو بعيد ؛ إذ لا يناسب صعود الأرواح ونزول الملائكة . أم هي السّماوات العلى الّتي هي مأوى الملائكة وأرواح المقرّبين ؟ وكيف كان فالجمع : « أبواب » فيهما دالّ على الكثرة والسّعة الخاصّة بهؤلاء المقرّبين من الملائكة وأرواح المؤمنين ، وأريد بالأبواب ما يناسب تلك السّماء حقيقة أو مجازا ، واللّه به عليم . 2 - الآيات الثّلاث ( 16 ) إلى ( 18 ) راجعة إلى أهل الجنّة وأبوابها ، فجاءت في ( 16 ) و ( 17 ) : جَنَّاتُ عَدْنٍ ، * أي أنّ مأواهم جنّات وليست جنّة واحدة ، وهي « عدن » أي دار إقامة دائمة وليست مؤقّتة ، وهو عبارة عن الخلود ، إلى هنا تلتقي الآيتان ثمّ تفترقان : فاكتفى في ( 16 ) بأنّ أبوابها مفتّحة لهم ، قال